ابن قيم الجوزية

13

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

وعباده المؤمنين ، ولا يقابلها بالسب والشتم كفعل الجاهلين والمعاندين ، فإن رأى حقا تبعه وشكر عليه ، وإن رأى باطلا رده على قائله وأهدى الصواب إليه ، فإن الحق للّه ورسوله ، والقصد أن تكون كلمة السنة هي العليا جهادا في اللّه وفي سبيله ، واللّه عند لسان كل قائل وقلبه ، وهو المطلع على نيته وكسبه ، وما كان أهل التعطيل أولياءه ، ان أولياؤه إلا المتقون ، المؤمنون المصدقون : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ التوبة : 105 ] . فصل : وهذه أمثال حسان مضروبة للمعطل والمشبه والموحد ، ذكرناها قبل الشروع في المقصود ، فإن ضرب الأمثال مما يأنس به العقل لتقريبها المعقول من المشهود ، وقد قال تعالى ، وكلامه المشتمل على أعظم الحجج وقواطع البراهين : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ [ الحشر : 21 ] الآية : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ العنكبوت : 43 ] وقد اشتمل منها على بضعة وأربعين مثلا ، وكان بعض السلف إذا قرأ مثلا لم يفهمه يشتد بكاؤه ويقول لست من العالمين ، وسنفرد لها ان شاء اللّه كتابا مستقلا متضمنا لأسرارها ومعانيها وما تضمنته من كنوز العلم وحقائق الإيمان ، واللّه المستعان وعليه التكلان . المثل الأول : ثياب المعطل ملطخة بعذرة التحريف ، وشرابه متغير بنجاسة التعطيل . وثياب المشبه متضمخة بدم التشبيه وشرابه متغير بدم التمثيل ، والموحد طاهر الثوب والقلب والبدن ، يخرج شرابه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين . المثل الثاني : شجرة المعطل مغروسة على شفا جرف هار . وشجرة المشبه قد اجتثت من فوق الأرض ما لها ما قرار . وشجرة الموحد أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب اللّه الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . المثل الثالث : شجرة المعطل شجرة الزقوم ، فالحلوق السليمة لا تبلعها .